1000 رصاصة.. تحقيق دولي يكشف تفاصيل الهجوم على طواقم الإغاثة في جنوب غزة
1000 رصاصة.. تحقيق دولي يكشف تفاصيل الهجوم على طواقم الإغاثة في جنوب غزة
كشف تحقيق دولي مشترك عن تفاصيل صادمة لواقعة مقتل 15 من عمال الإغاثة في مدينة رفح جنوب قطاع غزة في 23 مارس 2025، حيث أظهر التحليل أن القوات الإسرائيلية أطلقت قرابة 1000 رصاصة على طواقم الإسعاف والدفاع المدني خلال الهجوم.
وبحسب ما نشره المركز الفلسطيني للإعلام الثلاثاء استناداً إلى تحقيق أجرته مجموعتا إيرشوت وفورينسيك آركيتكتشر، فإن الأدلة الصوتية والبصرية وشهادات الشهود أعادت تركيب مشهد معقد يشير إلى أن عدداً من الضحايا تعرضوا لإطلاق نار مباشر من مسافات قريبة جداً، في بعض الحالات لا تجاوز متراً واحداً.
تفاصيل الضحايا والواقعة
أسفر الهجوم عن مقتل 15 من العاملين في القطاع الإغاثي بقطاع غزة، بينهم 8 من طواقم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني و6 من عناصر الدفاع المدني وموظف في وكالة تابعة للأمم المتحدة.
وأثارت الواقعة موجة إدانات واسعة على المستويين الفلسطيني والدولي، حيث وصفت بأنها من أكثر اللحظات قتامة خلال الحرب، بالنظر إلى طبيعة الضحايا الذين كانوا يؤدون مهام إنسانية بحتة.
وفي وقت سابق، أقر الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار على طواقم الإنقاذ، لكنه أعلن الاكتفاء بإجراءات إدارية دون فتح مسار قضائي أو محاسبة جنائية، وهو ما أثار انتقادات حقوقية واسعة.
إعادة بناء دقيقة للهجوم
اعتمد التحقيق على تحليل شامل شمل مقاطع فيديو وتسجيلات صوتية وصوراً مفتوحة المصدر وبيانات أقمار صناعية، إضافة إلى مقابلات مع ناجين من الهجوم.
وأظهرت النتائج أن طواقم الإغاثة تعرضت لكمين من القوات الإسرائيلية تخلله إطلاق نار كثيف استمر لأكثر من ساعتين، رغم عدم تسجيل أي إطلاق نار مضاد من جانب الضحايا الفلسطينيين.
وتم توثيق 910 طلقات نارية على الأقل، منها 844 طلقة خلال مدة قصيرة لا تتجاوز 5.5 دقيقة، وهو ما يعكس كثافة النيران المستخدمة خلال الهجوم.
كما بين التحقيق أن نحو 93 بالمئة من الطلقات في اللحظات الأولى كانت موجهة بشكل مباشر نحو مركبات الإسعاف وعمال الإغاثة، مع مشاركة ما لا يقل عن 5 رماة في إطلاق النار، في حين تشير التقديرات إلى وجود نحو 30 جندياً في الموقع.
إطلاق نار من مسافات قريبة
أظهرت المعطيات أن القوات الإسرائيلية المهاجمة في قطاع غزة تمركزت في البداية على مرتفع رملي يوفر رؤية واضحة للموقع، حيث كانت مركبات الطوارئ تحمل إشارات واضحة وأضواءً تعمل بشكل طبيعي.
ومع تقدم القوات نحو موقع الحادث، استمر إطلاق النار بشكل مكثف، قبل أن يتحول إلى إطلاق مباشر من مسافات قريبة جداً، حيث تم إعدام بعض الضحايا ميدانياً، وفق ما خلص إليه التحقيق.
كما أشار إلى أن القوات تحركت بين الضحايا ومركباتهم بعد الهجوم، في مشهد يعكس سيطرة كاملة على الموقع دون وجود اشتباك مسلح مقابل.
تغيير معالم موقع الحادث
كشف التحقيق عن عمليات تجريف واسعة جرت في موقع المجزرة بعد وقوعها، ما أدى إلى طمس جزء من الأدلة الميدانية، قبل أن تتغير معالم المنطقة لاحقاً مع إنشاء ممر أمني جديد في جنوب القطاع.
كما تم إنشاء موقع لتوزيع المساعدات في المنطقة ذاتها بإدارة جهة مدعومة من إسرائيل والولايات المتحدة، ما أضاف تعقيداً إضافياً لعملية توثيق ما جرى.
وتعزز هذه المعطيات الشكوك حول محاولة إعادة تشكيل المشهد الميداني بعد الحادث، في ظل غياب تحقيقات دولية مستقلة فورية في موقع الواقعة.
مواقف قانونية وانتقادات حقوقية
وصفت المحامية كاثرين غالاغر من مركز الحقوق الدستورية القضية بأنها قوية ومبنية على أدلة متعددة ومتقاطعة، مشيرة إلى أن حجم التوثيق يجعل من الصعب تجاهلها قانونياً.
في المقابل، اكتفى الجيش الإسرائيلي بالإشارة إلى نتائج تحقيق داخلي صدر في 20 أبريل 2025، خلص إلى أن الحادث وقع في منطقة قتال نشطة، دون وجود أدلة على تنفيذ إعدامات ميدانية.
ولم يقدم الجيش إجابات تفصيلية بشأن النقاط التي أثارها التحقيق الدولي، ما زاد من حدة الانتقادات بشأن غياب الشفافية والمساءلة.
توثيق مصور يعزز الرواية
أعاد نشر مقطع فيديو عبر صحيفة نيويورك تايمز في أبريل 2025 تسليط الضوء على الواقعة، حيث وثق لحظة استهداف مركبات الإسعاف والدفاع المدني بشكل مباشر.
وأظهر الفيديو أن المركبات كانت تحمل علامات واضحة وأن أضواء الطوارئ كانت تعمل، في تناقض مع روايات سابقة تحدثت عن تحرك مركبات بشكل مريب دون إشارات واضحة.
كما وثق المقطع لحظة نزول المسعفين لمحاولة إنقاذ مصابين قبل تعرضهم لإطلاق نار كثيف، في مشهد ينتهي بسقوطهم تباعاً.
وفي 16 أبريل أظهرت تقارير تشريح الجثامين أن معظم الضحايا أصيبوا بطلقات في الرأس والصدر، ما يعزز فرضية الاستهداف المباشر، وفي 30 مارس تم العثور على الجثامين مدفونة في موقع واحد، في مشهد وصفته جهات أممية بأنه أقرب إلى مقبرة جماعية.
تداعيات سياسية وإنسانية
تأتي هذه الواقعة في سياق حرب مستمرة في قطاع غزة، حيث تتكرر الاتهامات بوقوع انتهاكات بحق المدنيين والعاملين في المجال الإنساني.
وقد أعادت هذه القضية فتح النقاش الدولي حول قواعد الاشتباك واحترام القانون الدولي الإنساني، خاصة فيما يتعلق بحماية الطواقم الطبية والإغاثية في مناطق النزاع، كما أثارت تساؤلات حول فعالية آليات المساءلة الدولية في التعامل مع مثل هذه الحوادث، في ظل استمرار النزاع وتعقيداته السياسية.
تعد حماية العاملين في المجال الإنساني من المبادئ الأساسية في القانون الدولي الإنساني، حيث تنص اتفاقيات جنيف على ضرورة ضمان سلامة الطواقم الطبية والإغاثية وعدم استهدافها تحت أي ظرف.
ومنذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، وثقت منظمات دولية عدة حوادث استهداف لمرافق صحية وطواقم إنقاذ، ما أثار قلقاً متزايداً بشأن تآكل قواعد الحماية الإنسانية في النزاعات المسلحة.
وتبرز واقعة رفح بوصفها إحدى أكثر هذه الحوادث دموية وتعقيداً، نظراً لحجم الضحايا وطبيعة الأدلة التي ظهرت لاحقاً، وهو ما يجعلها قضية محورية في أي نقاش مستقبلي حول المساءلة والعدالة في سياق الحرب المستمرة.











